أحمد بن علي القلقشندي

72

صبح الأعشى في صناعة الإنشا

زالت الأولياء تتخيّل مخايل السّلطنة في أعطافه معنى وصورة ، والأعداء يرومون إطفاء ما أفاضه اللَّه عليه من أشعّة أنواره : * ( ويَأْبَى الله إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَه ) * ( 1 ) . طالما تطاولت إليه أعناق الممالك فأعرض عنها جانبا ، وتطفّلت على قربه فكان لها - رعاية لذمّة الوفاء - مجانبا ؛ حتّى أذن اللَّه سبحانه لكلمة سلطانه أن ترفع ، وحكم له بالصّعود في درج الملك إلى المحلّ الأعلى والمكان الأرفع ، وأدّى له من المواهب ما هو على اسمه في ذخائر الغيوب مستودع . فعند ذلك استخار اللَّه تعالى سيدنا ومولانا الإمام المستكفي باللَّه أمير المؤمنين أبو الربيع سليمان ، ابن الإمام الحاكم ( وذكر نسبه على العادة ) جعل اللَّه الخلافة كلمة باقية في عقبه ، وأمتع الإسلام والمسلمين بشرفي حسبه ونسبه ؛ وعهد إلى المقام العالي السلطانيّ بكلّ ما وراء سرير خلافته ، وقلَّده جميع ما هو مقلَّده من أحكام إمامته ؛ وبسط يده في السلطنة المعظَّمة ، وجعل أوامره هي النافذة وأحكامه هي المحكَّمة ، وذلك بالديار المصرية ، والممالك الشاميّة ، والفراتيّة ، والجبليّة ، والساحليّة ، والقلاع والثّغور المحروسة ، والبلاد الحجازيّة ، واليمانية ، وكلّ ما هو إلى خلافة أمير المؤمنين منسوب ، وفي أقطار إمامته محسوب ، وألقى إلى أوامره أزمّة البسط والقبض ، والإبرام والنّقض ، والرّفع والخفض ؛ وما جعله اللَّه في يده من حكم الأرض ، ومن إقامة سنّة وفرض ؛ وفي كلّ هبة وتمليك ، وتصرّف في ولاية أمور الإسلام من غير شريك ؛ وفي تولية القضاة والحكَّام ، وفصل القضايا والأحكام ؛ وفي سائر التحكَّم في الوجود ، وعقد الألوية والبنود ، وتجنيد الكتائب والجنود ، وتجهيز الجيوش الإسلامية من التأييد ( 2 ) إلى كلّ مقام محمود ؛ وفي قهر الأعداء الذين نرجو بقوّة اللَّه تعالى أن يمكَّنه من نواصيهم ، ويحكَّم قواضبه ( 3 ) في استنزالهم من صياصيهم ( 4 ) ، واستئصال شأفة عاصيهم ؛ حتّى يمحو

--> ( 1 ) التوبة / 32 . ( 2 ) في حاشية الطبعة الأميرية : « لعله من التلبية » . ( 3 ) يقال : سيف قاضب وقضاب وقضابة ومقضب وقضيب أي قطاع . ( 4 ) الصياصي : الحصون واحدتها : صيصية وصيصة .